قد يجفو المعلم على طالب، وقد يعنفه ويوبخه، وتلك فتنة يُفتن بها الطالب، فإن صبر ظفر، وإن أنكر خسر .. وقد بين الإمام الشافعي رحمه الله أن الصبر على جفا المعلم ونفراته يُرَسِّب العلم -أي يرسخه- في العقل والقلب، فقال رحمه الله:
تَصَبّر على مُرِّ الجَفا مِن مُعَلمٍ
فإنَّ رُسوبَ العلمِ في نفَراتهِ
وهذه من بركات العلم وأهله، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
وقد مررت بما مر به الطالبون في عدة مواقف، وهذا واحد منها:
كنا ندرس عند شيخنا بكر الرشيدي رحمه الله كتاب الاختيار في الفقه الحنفي في جامع حسن بيك في أحد الازقة القديمة قرب مرقد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الأعظمية ببغداد .. وذلك سنة 1418 .
وذات مرة كانت الحلقة مكتظة بالطلاب، وكان الشيخ ينظر في مسألة في الكتاب وقد قرب الكتاب من عينيه رغم وجود النظارة، بسبب ضعف بصره، فقلت له : شيخي عندي سؤال، فقال: اصبر ..
لكني لم اسمعه بسبب كثرة الطلاب بيني وبينه فحسبته لم يرد، فكررت القول فكرر الرد فلم اسمعه أيضا، فقلت ثالثا: عندي سؤال شيخي، فرفع رأسه من الكتاب وخلع نظارته وصاح بصوت عال وهو يرفع يده يلوح بها الي : (اصبر اصبر اصبر .. لا ادري كيف صبرت ببطن أمك تسعة أشهر) …
فساد هدوء في غرفة الدرس بعد صرخة الشيخ، إلا ضحكات خفيفة هنا وهناك، تَكَلف أصحابُها إخفاءها فما استطاعوا .. وأخذَت أنظار الطلاب تتمقلني كأن لم ترني من قبل .. فعيون عاتب، وعيون ساخر، وعيون لائم وتلك أشدها .. فرب لحظ لائم أشد من لفظ شاتم …
رحم الله شيخنا بكرا فقد كانت همته للتدريس تناطح السحاب … لم يثنه عن العلم تقادم السن، ولا ضعف البصر ..
ورحم الله تلك الأيام ، ليتها تعود .. وليعد معها التوبيخ .. ولتعد معها تلك النظرات