كنا ندرس عند شيخنا بكر الرشيدي رحمه الله في مسجد (حسن بك) وهو أحد المساجد العثمانية الواقعة في أزقة الأعظمية الجميلة قرب مقبرة الخيزران، بين مرقدي الإمامين أبي حنيفة والبشر الحافي رحمهما الله، كنا ندرس عنده فقه وأصول الحنفية ..

تذكرت تلكم الأيام ..

هذا المسجد المبارك كان عامرا، تستشعر بأول يمين تقدمها فيه قبول الله تعالى لواقفه، كأنه أسس على التقوى من أول يوم ..

كان هذا المسجد لايخلو من حلق علم أو حلق ذكر .. فتسمع لطلبة العلم فيه دويا بالدروس كدوي النحل، وترى لهم مَيدا بالرؤوس، ويتمقلون في كتب صفراء فاقع لونها تسر الناظرين .. يتماوجون في بحار المعقول، كالفلك المواخر، التي لا تهز أشرعتها الدبور الزواجر .. وفيهم من إذا تكلموا في المنقول كانوا لتلك الفلك بحورا زواخر، لا يكاد يرى لها أول ولا آخر ..

ولايكادون ينهون درسهم حتى يشغل موضعهم قبل أن يبرد، بحلقة ذكر يقوم بها جماعة من الصوفية، يميدون بكل أجسادهم ميد الأيك في النوافج، تأخذهم بذكر محبوبهم نشوة، فتطير أرواحهم مع الطخاف الرواهج ..

وفي باحة المسجد تجد كراسي يجلس عليها بعض كبار السن من أهل الحي، مواظبون على أداء الخمس في المسجد، يحضرون المسجد قبل الأذان، يجلسون فيتجاذبون في الغالب حديث التأريخ ولطائفه .. وجوه تشع نورا، ولحىً بيضاء تعكس الشيبة المكرمة التي أمر الإسلام بتوقيرها .. اذا رأيتهم ذكرت الله .. لا يخلو يوم، بل لا يخلو وقت من الخمس من شهادة لأقدامهم، يشهدها الصف الاول .. إذا مررت قربهم وسلمت عليهم، ردوا تحيتك بأحسن منها، وزادوا التحية بكلام يشعرك كأنك بسلامك متفضل عليهم، فيريدون أن يردوا فضلك بما جادت به قرائحهم المتواضعة، من ألفاظ الثناء باللهجة البغدادية الجميلة (هلا أغاتي . حبيب گلبي . معزوز عيني . يطول عمرك . هلا أبوي)

تلك نفحات افتقدها في غربتي …

لحى الله صرفا حال بيننا وبينها، ألا لحاه الله وقاتله ..