عندما نتامل النصوص الصحيحة الواردة في تعيين ليلة القدر، يظهر لنا انها يمكن أن تأتي في الليالي الاشفاع (الزوجية) من العشر الاواخر من رمضان !!!

 ومن الأدلة على ذلك:

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)  رواه البخاري ومسلم

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُريت  ليلة  القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الغوابر) رواه مسلم

وهذه الاحاديث وامثالها عامة في العشر كلها، شفعها ووترها.

3- قد يقال بان هذا الاحاديث مطلقة، وقد ورد التقييد بالاوتار في احاديث صحيحة، والمطلق يحمل على المقيد، كحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)  رواه البخاري

وكذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أُريت ليلة القدر، وإني نُسِّيتُها -أو أُنسيتُها- فالْتمسوها في العشر الأواخر من كل وَتر) رواه الشيخان

وغيرها كثير من الأحاديث الصحيحة التي تذكر أن ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر، ومنها ما يعين ليلة أو أكثر، كليلة الحادي والعشرين أو الثالث أو الخامس أو السابع …

فنقول:

لا شك بأننا نأخذ بهذه الاحاديث الصحيحة، ولكن لفظ (التمسوها) يوحي بأنه أغلبي وليس عاما، أي انه لا يدل على الحصر، فإذا قلنا بأن هذا اللفظ يدل على الحصر، وأنه يصلح لتقييد المطلق، فهناك حديث أكثر تقييدا منه، وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وفيه: ( فالتمِسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) وهو في الصحيحين أيضا، ودلالته ستكون عدم شمول ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين، وهذا ما لم يقل به أحد، لذلك فمن الواضح أن التعيين أغلبي وليس عاما.

4- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لليلة القدر: (إن ناسا منكم قد أُروا أنها في السبع الأُول، وأُرِي ناس منكم أنها في السبع الغوابر، فالتمِسوها في العشر الغوابر) رواه مسلم

وفي هذا الحديث تعميم للعشر، رغم وجود من أري أنها في السبع الغوابر (الأواخر) والتي أثبتها حديث آخر، مما يؤكد على أن ذلك الحديث هو حكم أغلبي لا عام.

تنبيه مهم:

على فرض حصرها بالاوتار، فإن مطالع الهلال تختلف من بلد لآخر، فقد يصوم بلد قبل آخر، وفي هذه الحال سيختلف تعيين الاوتار والاشفاع، فاوتار البلد الذي صام اولا، هي اشفاع لمن صام بعده، ولا نعلم في اي الوترين تكون، فكونها وترية في بعض البلدان هي شفعية جزما في البلدان الأخرى.

5- وردت أحاديث تصرح بإمكان مجيئها في الأشفاع، منها ما روي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(….فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. قال -أي أبو نضرة- قلت: يا أبا سعيد، إنكم أعلم بالعدد منا، قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون، فالتي تليها ثنتان وعشرون وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة) رواه مسلم

 فهذا تفسير أبي سعيد رضي الله عنه بأنها في ليالي الأشفاع، وأبو سعيد هو أحد الصحابة الذين رووا بعض الأحاديث التي تذكر أن ليلة القدر في الأوتار كما مر، وأبو سعيد فقيه، وفقه الراوي معتبر في تفسير روايته، مما يدل على أن الحكم بالأوتار أغلبي كما قلنا.

6- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (التمسوا في أربع وعشرين) يعني ليلة القدر. رواه البخاري

وليلة أربع وعشرين هي ليلة شفعية.

7- عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال صلى الله عليه وسلم: كم الليلة ؟ قلت: ليلة اثنين وعشرين، فقال هي الليلة أو القابلة) رواه أحمد

وليلة اثنين وعشرين شفعية.

8- عن معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان)

رواه الطبراني وابن خزيمة بإسناد صحيح.

وآخر ليلة قد تكون التاسعة والعشرين وقد تكون الثلاثين.

الخلاصة:

أن ليلة القدر المباركة، تكون في الغالب في أوتار العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، ولكنها قد تأتي في الأشفاع أيضا، فمن أحيا العشر الأواخر كلها، فقد أدرك ليلة القدر.

والله أعلم